
منذ أكثر من شهر نفتقد العشرات من شبابنا البدون خلف القضبان بتهمة التظاهر والتحريض على التظاهر, وهم يقبعون في الزنازين بعد قرار النيابة بحبسهم "احتياطياً" 21 يوماً, وقد تم التجديد لمجموعة وربما يتم التجديد للأخرى على أن يُنظر بشأنهم مرة أخرى إما للتجديد أيضا أو الإفراج عنهم بكفالة.ولاشك أن لظروف البدون الحساسة جداً فإن حبس الفرد منهم ليوم أو اثنين يعني هذا تصدّع للأسرة يترتب عليه ضغوط نفسية عديدة وشديدة, فما بالكم لأسابيع, فمنهم المعيل الوحيد للأسرة, ومنهم مَن يملك وظيفة إن طُرد منها بسبب الغياب/الحبس فهذا يعني تدميره اقتصاديا ونفسياً واجتماعياً خصوصا في ظل صعوبة وجود وظائف للبدون التي إن توفرت فتكون بمرتب بالكاد يفي احتياجاته واحتياجات أسرته.في كل قضية يتم فيها حبس كاتب / ناشط / مدوّن / مغرد حبساً احتياطياً من أجل التحقيق من قبل النيابة العامة (وأنا هنا أتحدث عن الكويتيين) تبدأ بعض الفعاليات السياسية والحقوقية بالتحرك كلٌ حسب فريقه ومناصروه بالضغط من أجل التنازل والإفراج عن هذا أو هؤلاء المتهمون بغض النظر عن قولهم أو فعلهم الذي قاموا به. ورغم تعاطف بعض القوى والفعاليات مؤخرا مع البدون بشكل لافت إلا أننا نجدها بسبب زحمة القضايا والملفات تنشغل عمّا يجري للبدون حالياً من ظلم مبين.أدعوكم لقراءة مقال قديم/جديد للمحامي والكاتب الكويتي "حسن العيسى" عن (الحبس الاحتياطي) فهو مهم جداً وضروري:حوائط المركزي لا تفرق بين الأحرار والأشرار
حبس المتهم احتياطياً إجراء شاذ وخطير… والأصل ألا تسلب حرية إنسان إلا تنفيذاً لحكم قضائي واجب النفاذ، لكن قد تقتضي مع ذلك مصلحة التحقيق منعاً لتأثير المتهم على الشهود أو العبث بالأدلة ودرء احتمال هربه… حبس المتهم احتياطياً لفترة محددة’. سجلت العبارات السابقة للأستاذ د. رؤوف عبيد على كتاب د. حسن المرصفاوي الذي كان يدرسنا مادة الإجراءات الجزائية قبل أكثر من 35 عاماً، وجدت في عبارات رؤوف عبيد عن القانون أصدق تعبير وأقرب روح لمفهوم العدل والعدالة… لكن ماذا يهم الآن غير التذكير بأن قانون الإجراءات الجزائية ولد عام 1960 من القرن الماضي أي قبل بعث دستور الدولة عام 62…!
أكثر من نصف قرن مضى ومع ذلك ما يصادر حرية الفرد وينتقص من كرامته، ولا يقيم وزناً بين قاتل سفاح محترف يسفك الدماء دون ذنب وصاحب رأي أو قضية مؤمن بها صاحبها يتصور أنه بعرضها قولاً أو كتابة وهماً أو حقيقة أنه يحقق مصلحة وطنية، مازال قائماً يحكم العلاقات الاجتماعية، وهو قانون الإجراءات الجزائية أهم القوانين لضمان حريات الأفراد وللمفارقة أخطرها أيضاً في سلبها.
طلبة القانون يعرفون في بداية دراستهم أن النيابة العامة خصم شريف، هي تمثل المجتمع والدولة في ملاحقة المتهمين، وتقدم الدليل بمساعدة أعوان الأمن من الشرطة للمحاكم… هذه النيابة كما قلت ‘خصم’ شريف… ماذا كتبت؟ خصم… بمعنى أنها خصم للمتهم، وهي بهذه الخصومة قد يغيب عنها الحياد الذي تتطلبه العدالة، لذلك أوجدت بعض التشريعات مثل التشريع المصري في مراحل تاريخية مختلفة، والتشريع الجزائري على سبيل المثال، ما يسمى قاضي التحقيق، الذي تكون مهمته إصدار أوامر الحبس الاحتياطي بعد أن يستمع إلى طرفي القضية وهما جهة التحقيق كالنيابة وجهة الدفاع عن المتهم، وهنا نكون أقرب إلى روح العدالة، فمن يحقق في القضية، وهو وكيل النيابة، ليس هو الشخص ذاته الذي يتصرف بها ويصادر حرية المتهم، فقاضي التحقيق هنا أكثر تجرداً وأكثر بعداً عن التأثر بخصوصية القضية، وما قد يصيبها من تيارات اجتماعية أو سياسية.
في الكويت… حسب قانون الإجراءات الجزائية من حق وكيل النيابة أن يحبس المتهم 21 يوماً على ذمة القضية، وليس للمتهم التظلم إلا للجهة ذاتها التي أصدرت حكم الحبس الاحتياطي، ففيها الخصام وهي ‘الخصم والحكم’، كما قال المتنبي قبل ألف سنة تقريباً، وتمضي مدة الحبس الاحتياطي مدة قد تصل إلى ستة أشهر، وإن استغرقت النيابة حدها الأقصى بالحبس الاحتياطي مدة 21 يوماً، يظل المتهم خلالها بعيداً عن الاتصال الفعلي بسلطة القضاء التي ستفصل في القضية وتحسم أمر حريته…!
ألا ترون أن آلية الوصول إلى القضاء تنتهك أهم معايير العدالة حين تشل حريات الأفراد… وتغرق حرية الفرد في استبداد النصوص التشريعية المطاطة الخطيرة!
ألا تتفقون معي على أنه لا سبيل لإنصاف الفرد في ما لو حكم ببراءته في ما بعد… أي بعد 21 يوماً أو ستة أشهر… ألا تدركون أن حوائط السجن المظلمة لا تفرق في دولنا البائسة بين صاحب الكلمة وحامل سكين تنقط دماً أحمر
بعد هذا المقال نحن نريد حلا لملف حبس الحريات "احتياطياً" في قضايا التعبير عن الرأي.. لا أن يكون الأمر مجرد فزعة "كلامية" و"إعلامية", فالكلام والإعلام وإن كانا يخدمان إلا أنهما لا ينهيان المشكلة. نريد حلاً قانونياً, يتمثل بتشريع عاجل يتم فيه تغيير قانون الإجراءات الجزائية.
الأمر يعني الجميع بلا استثناء, والمطلوب (تحرك قانوني) سليم ومدروس وضغط شعبي على نواب البرلمان, للمسارعة بتقديم التشريعات الهامة المتعلقة بحريات وحقوق الأفراد وتعديل القوانين غير الدستورية واللا إنسانية.
لا أريد أن أقرأ مناشدات أو كتابات عن "كيدية" قضايا الحكومة وتلفيقها, فلتلفق ما تشاء, نريد المطالبة بتعديل القوانين بأن تكون عادلة بلا هوامش تسمح لأحد بتقييد حرية الإنسان وحبسه خصوصا في قضايا التعبير عن الرأي وألا يكون صاحب قضية "الرأي" كصاحب قضية "المخدرات والقتل", فالحبس الاحتياطي وإن كان له أهمية فلا أعتقد أن هناك أهمية لحبس صاحب الرأي ما دام أنه لم يقم بالجرم الذي يدفعه للهرب.
لا أريد أن أفتي قانونياً, فلست ضليعاً كفاية, ولكن أعتقد أن تفاصيل هذا الموضوع معروفة ومتداولة منذ سنوات ولكن ليس على مستوى الطموح, لذا فنحن بحاجة إلى تحرك قانوني / حقوقي / شعبي / برلماني, فإن نمتم عن هذا فلا تتباكون غداً على حبس أيا كان من أقربائكم وأصدقائكم لأن الحكومة والأجهزة الأمنية أرادوا "تأديبه" لمجرد تعبيره عن رأيه هنا أو هناك.
روابط:
مقال الأستاذ المحامي والكاتب - حسن العيسى
http://www.aljasemcase.com/?p=527
قانون رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية - الحبس الاحتياطي
http://www.gcc-legal.org/mojportalpublic/DisplayLegislations.aspx?country=1&LawTreeSectionID=2173